واعلم ان هذه الاحتمالات بقيت من الزمان الأقدم إلى الآن، وبعد ما زالت الشكوك والشبهات، ولا شك أن أعرف المعارف فِي الشيء المشار إليه بقول: أنا، فإذا كان هذا حالي فِي معرفة أظهر الأشياء فكيف يكون حالي فِي معرفة أبعد الأشياء مناسبة عن علائق العقول وروابط الخيالات؟!!
وتحقيق الكلام فيه: أن العقل كالشمع ولا شك أن كل ما كان أقرب إلى الشمع كان ضره أكثر مما بعُد عنه، وأقرب الأشياء إلى الشخص نفسه، فإذا كان نور العقل أضعف من أن يبصر ذاته، فكيف يدرك حضرة الجلال مع بعده عنها بغير نهاية؟!!
واعلم أنه كما وقعت الشبهات المذكورة فِي معرفة النفس فقد وقعت أيضاً فِي معرفة حقيقة الزمان وحقيقة المكان، وتحير الخلق أن القوة الباصرة كيف تبصر بحصول الشبح أو بخروج الشعاع، وكذا البحث عن القوة السامعة، والقوة الذائقة، وتحيروا أيضاً فِي البحث عن كيفية التخيلات، فإن هذه الصور المتخيلة إن لم يكن لها وجود أصلاً فكيف يكون حصول التمييز والتعيين فيها.
وإن كان لها وجود فهي قائمة بأنفسها، أو محلها شيء مجرد أو محلها جسم، والكل محال ممتنع.
ولما كانت معرفة الخلق بهذه الأمور الظاهرة الجليلة بلغت حداً من الصعوبة إلى هذا الحد فما ظنك بمعرفتهم بمن تقدس عن مناسبات العقول والأفكار، وتنزه عن مشابهات الخيلات والأنظار.
الحجة الثالثة:
العقل لا يتصرف إلا فيما يكون فِي زمان أو مكان، لأن كل ما أدركه فإنه يدركه فِي الماضي أو فِي المستقبل أو فِي الحال، وكل ذلك تحت الزمان، وكل ما يتصوره فإنه إنما يتصوره إما هاهنا أو هناك، وكل ذلك بحسب المكان، وإذا قلت: الحق سبحانه بخلاف هذه الأشياء فمعرفته هذه المعرفة ليس إلا نفي ما عرفته وتصورته.
فالحاصل فيه نفي غير الحق، ونفي غير الحق لا يكون هو عين وجدان الحق. انتهي انتهي {من أسرار التنزيل / للإمام فخر الدين الرازي صـ 20 - 142}