وما يحقق ما ذكرنا أن العقلاء اتفقوا على أن كل صفة شاهدها الحس، وأدركها العقل فِي المكونات، فلو وصف أحد بها الحق صار جاهلاً، فإذاً لا طريق له فِي معرفة الحق إلا بنفي كل ما عرفه، ولهذا اتفقوا على أن أحسن كلمة قيلت فِي التوحيد ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي: أن تعرف كل ما يتصور فِي ذهنك فالله سبحانه وتعالى بخلافه.
ثم قال المحققون: لما كان كل ما تتصور فِي ذهنك فالله بخلافه، فلو تصور فِي ذهنك من ذلك الخلاف شيء فالله تعالى بخلافه، ثم لو تصور فِي هذه المرتبة الثانية أمر آخر لزم نفيه، فلم يبق للعقل فِي طريق معرفة الله سبيل إلا أن ينفي كل ما يقع فِي خاطره، ثم إذا وقع من هذا النفي شيء اشتغل بنفيه أيضاً، وهكذا فِي النفي الثالث، والنفي الرابع إلى ما لا نهاية.
فلو نفى أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان مشغولاً بهذا النفي. وإذا كان الأمر كذلك بقي الحق منزهاً عن لواحق فكره، وإشارات عقله، وعلائق ضميره وذكره.
الحجة الثانية:
وهي أن الإنسان عاجز عن معرفة نفسه.
فإن قيل إن نفسه هي هذا الهيكل المشاهد فهو باطل من وجهين:
الأول: أن الإنسان قد يعرف ذاته حال ما يكون غافلاً عن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، والثاني أن ذاته من أول عمره إلى آخره شيء واحد، وأجزاء بدنه من أول عمره إلى آخر عمره غير باقية، والباقي مغاير لغير الباقي فثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل المحسوس.
ثم بعد هذا يحتمل أن يقال: إنه جسم فِي داخل الهيكل، إما فِي القلب فقط، وإما فِي الدماغ فقط، أو يكون مساوياً فِي كل البدن: ثم ذلك الجسم أهو من جنس الأجسام التي تولد البدن عنها، أهو جسم مخالف لهذه الأجسام فِي الماهية والحقيقة؟
ويحتمل أيضاً أن يقال: إنه ليس بمتحيز ولا حال فِي المتحيز، بل هو مدبر لهذا البدن على ما يقوله الفلاسفة.