واعلم أن العمدة فِي هذه المسألة أن الله سبحانه غير متناه فِي الذات والصفات، والعقل متناه فِي الذات والصفات، والمتناهي لا سبيل له إلى إدراك غير المتناهي، وهذه هي النكتة المستحسنة، ونحن نشرحها لتظهر قوتها إن شاء الله فنقول:
الحجة الأولى:
العقل عاجز عن معرفة كونه تعالى قديما أزليا، وذلك لأن كل ما يستحضره العقل استحضاراً على سبيل التفصيل من مقادير الأزمنة فذلك متناه، مثلا نفرض قبل هذا الوقت ألف ألف سنة، ونفرض بحسب كل لمحة من هذه المدة ألف ألف سنة، وهكذا إلى أقصى ما يقدر الوهم والخيال على استحضاره ثم إذا تأمل العقل عرف أن كل ذلك متناه، والحق سبحانه إنما كان قديما
أزليا لأنه كان موجودًا قبل هذه المدة التي أحاط العقل والخيال بها فثبت أن كل مقدار يصل العقل والخيال إليه فالحق باعتبار أنه كان موجوداً فيما وراء ذلك الوقت، بل باعتبار أنه كان موجوداً فيما وراء ذلك، فإذاً لا سبيل للعقل ألبتة إلى معرفة القدم والأزل. وإذا عرفت هذه فِي كونه أزلياً قديماً فاعرف مثله فِي كونه دائماً أبديا.
فإذاً العقل لا سبيل له ألبتة إلى معرفة كونه دائماً أبدا على سبيل التفصيل، فإن كل ما يشير العقل إليه فأزليته وأبديته خارجتان عن ذلك المقصود.
وأيضاً إذا قلنا: إنه موجود ليس بجوهر ولا عرض ولا حال ولا محل، فهذا ليس يقتضي معرفة ذات الحق سبحانه وتعالى، لأنا أردنا بقولنا: موجود، ما يناقض العدم فهذا المفهوم المناقض للعدم أمر يصدق على جميع الموجودات، وحقيقة الحق سبحانه وتعالى لا توجد فِي شيء سواه، فالعلم بكونه موجوداً ليس علماً بحقيقة المخصوصية.
وأما علمنا بكونه ليس جوهراً ولا عرضاً ولا جسماً فهذا علم بعدم هذه الأشياء، وليس علماً بحقيقته، لأن حقيقته ثابتة متحققة، والسلب لا يكون نفس الثبوت، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه لا سبيل للعقول إلى معرفة حقيقة الله سبحانه وتعالى.