قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} أمر مسبب عن مجموع القصة من مفتتح السورة حتى هنا، على معنى: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، فهو من موجبات السعادة ولا يهمك كفر هؤلاء بوحدانيته، فقلوب العباد ونواصيهم بيده، ومصادر الأمور ومواردها بأمره، يضل من يشاء ويهدى من يشاء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، واستغفر لذنبك، وتضرع إلى الله أن يغفر لك في كل حال ما هو دونه، فقد ذكر العلماء أن لنبينا - عليه الصلاة والسلام - في كل لحظة عروجًا إلى مقام أعلى مما كان فيه، فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنبًا بالنسبة لما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام:"إنه ليران على قلبى".
ويجوز أن يكرن استغفاره - صلى الله عليه وسلم - من قبيل ترك الأولى بالنسبة إلى منصبه الجليل مما يمكن أن يكون بالنسبة لغيره من أجلّ الحسنات، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ومهما يكن أو يُقَلْ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤدي لله جميع الطاعات، ويتضرع برفع الدعوات أداء لشكر آلائه، ورفعًا لدرجاته، وإرشادًا للمؤمنين.
{وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} : والله يعلم أطواركم في الدنيا ومراحلكم فيها، فإنها أطوار ومراحل لابد من قطعها لا محالة، يستقيم فيها من يستقيم، ويضل من يضل، ويعلم مثواكم ومستقركم في الآخرة، أهل النعيم في دار النعيم، وأهل العذاب في الجحيم، فإن الآخرة هي العقبى، وهي منازلكم، ومواطن إقامتكم فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما فبادروا إلى الامتثال بما أمركم به في المقامين، فإنه زادكم عند من لا تخفى عليه أحوالكم.
وخص المتقلب في الدنيا، والمثوى في الآخرة، لأن الدنيا دار حركة دائبة، وتقلب مختلف لطلب الرزق وغيره، أما الآخرة فدار سكون واستقرار، لا تقلب فيها ولا مدار. فالرزق فيها موفور والنعيم مقيم. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...