ولهذا كثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن إذ في ضمنه الاحتجاج على الكتابيين بصحة صلى الله عليه وسلم بهذه الطريق وهي حجة أيضا على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه إذا جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله تعالى وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه، ودليل على صحة الكتابين وصدق الرسولين، لأن الثاني قد جاء بأمر لا يمكن أن ينال بالتعليم أصلا، ولا البعض منه.
فجاء على يدي أمي لا يقرأ كتابا ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، بل نشأ بينكم وأنتم شاهدون حاله حضرا وسفرا، وظعنا وإقامة، فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر ولا في قدرتهم، وهذا برهان بين من برهان الشمس.
وقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتضمن ما تقدمه البشارة به، فتطابقت حجج الله وبيناته على صدق أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة، وثبتت الحجة فلم يبق لكافر إلا العناد المحض، أو الإعراض والصد. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...