وَرُوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ (أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بِمَعْنَى: أَوْ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ أُوتِيتُمُوهُ، وَأُوثِرْتُمْ بِهِ عَلَى غَيْرِكُمْ،
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} بِالْأَلْفِ، لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَوِ ائْتُونِي بِعِلْمٍ بِأَنَّ آلِهَتَكُمْ خَلَقَتْ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا، وَأَنَّ لَهَا شِرْكًا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ قِبَلِ الْخَطِّ الَّذِي تَخُطُّونَهُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَهْلُ عِيَافَةٍ وَزَجْرٍ وَكَهَانَةٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} قَالَ: «خَطٌّ كَانَ يَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ خَاصَّةً مِنْ عِلْمٍ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ عِلْمٍ تُثِيرُونَهُ فَتَسْتَخْرِجُونَهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ تَأْثُرُونَ ذَلِكَ عِلْمًا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ؟
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْأَثَارَةُ: الْبَقِيَّةُ مِنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَثَرَ الشَّيْءَ أَثَارَةً، مِثْلَ سَمُجَ سَمَاجَةً، وَقَبُحَ قَبَاحَةً، كَمَا قَالَ رَاعِي الْإِبِلِ:
وَذَاتِ أَثَارَةٍ أَكَلَتْ عَلَيْهَا ... نَبَاتًا فِي أَكِمَّتِهِ قِفَارًا
يَعْنِي: وَذَاتِ بَقِيَّةٍ مِنْ شَحْمٍ، فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهُ (أَوْ أَثَرَةٍ) فَإِنَّهُ جَعَلَهُ أَثَرَةً مِنَ الْأَثَرِ، كَمَا قِيلَ: قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ «أَوْ أَثْرَةٍ» بِسُكُونِ الثَّاءِ، مِثْلَ الرَّجْفَةِ وَالْخَطْفَةِ، وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عِلْمٍ، جَازَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ مِنْ عِلْمِ الْخَطِّ، وَمِنْ عِلْمٍ اسْتُثِيرَ مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ، وَمِنْ خَاصَّةِ عِلْمٍ كَانُوا أُوثِرُوا بِهِ