يبقى سبب الاختلاف: نحن ذكرنا أن الحق أعم من الرشد والرشد معناه الصلاح في الدنيا وقد يكون في الآخرة. ما ذكره في الأحقاف (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) سياق الآية أعم مما في آية الجن وأوسع وأشمل فناسب ذكر الحق الذي هو أوسع وأشمل. في سورة الجن قال (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2 ) ) ثم انصرف إلى أقسام الجن ومعتقداتهم وأنهم كانوا يقعدون مقاعد للسمع ليس لها علاقة بالقرآن أما في الأحقاف فاتسع الحديث عن القرآن والتأثير فيهم هم سمعوا القرآن وآمنوا به لم يكتفوا وإنما ذهبوا إلى قومهم منذرين ويدعوهم إلى الإيمان (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31 ) ) الكلام عن القرآن متسع في الأحقاف وهذا جزء من آية في سورة الجن، في الأحقاف الكلام متسع إذن تناسب كلمة الحق التي هي أوسع من الرشد لما كان الكلام متسع أتى بالكلمة التي هي مناسبة والتي هي الحق.