وعن مسروق قال «قالت عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا الصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها. ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم قال تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وإني والله لا بدّ لي من طاعته والله لأصبرنّ كما صبروا ولأجهدنّ، ولا قوّة إلا بالله، ولما أمره الله تعالى بالصبر الذي هو من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل. فقال عز من قائل: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي: لا تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. فإنه نازل بهم في وقته لا محالة.
قيل: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه، وأحب أن ينزل الله تعالى العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر أنَّ ذلك العذاب إذا نزل بهم يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} أي: من العذاب بهم في الآخرة {لَّمْ يَلْبَثُواْ} أي: في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا، ولأنّ ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن قال الشاعر:
كأنّ شيئاً لم يكن إذا مضى... كأنّ شيئاً لم يكن إذا أتى
(تنبيه)
تم الكلام هاهنا وقوله تعالى {بَلاَغٌ} خبر مبتدأ محذوف قدره بعضهم: تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله تعالى {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} وبعضهم: هذا أي القرآن بلاغ أي تبليغ من الله تعالى إليكم وجرى عليه الجلال المحلي.