ويعرض الشوط الثاني نموذجين للفطرة البشرية:المستقيمة والمنحرفة , في مواجهة قضية العقيدة . ويبدأ معهما من النشأة الأولى , وهما في أحضان والديهم . ويتابع تصرفهما عند بلوغ الرشد والتبعة والاختيار . فأما الأول فشاعر بنعمة الله بار بوالديه , راغب في الوفاء بواجب الشكر , تائب ضارع مستسلم منيب: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة , وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) . . وأما الآخر فعاق لوالديه كما هو عاق لربه , وهو جاحد منكر للآخرة , وهما به ضيقان متعبان: (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس , إنهم كانوا خاسرين) . .
ويختم هذا الشوط بمشهد سريع من مشاهد القيامة يعرض فيه مصير هذا الفريق: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار . أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها , فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق , وبما كنتم تفسقون) . .
والشوط الثالث يرجع بهم إلى مصرع عاد , عندما كذبوا بالنذير . ويعرض من القصة حلقة الريح العقيم , التي توقعوا فيها الري والحياة ; فإذا بها تحمل إليهم الهلاك والدمار , والعذاب الذي استعجلوا به وطلبوه: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا:هذا عارض ممطرنا , بل هو ما استعجلتم به , ريح فيها عذاب أليم , تدمر كل شيء بأمر ربها , فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم , كذلك نجزي القوم المجرمين) . . ويلمس قلوبهم بهذا المصرع , وهو يذكرهم بأن عادا كانوا أشد منهم قوة وأكثر ثروة: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه , وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة , فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء . إذ كانوا يجحدون بآيات الله , وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون) . . ويذكرهم في نهاية الشوط مصارع ما حولهم من القرى , وعجز آلهتهم المدعاة عن نصرتهم , وظهور إفكهم وافترائهم . لعلهم يتأثرون ويرجعون . .