ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم ، وأشار إلى المحقين ، صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم ، فقال بادئاً بهم على طريق النشر المشوش مفصلاً: {فأما الذين آمنوا} أي من الأمم الجاثية {وعملوا} تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات فيدخلهم} أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله {ربهم} الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة {في رحمته} أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب ، وتقول لهم الملائكة تشريفاً: سلام عليكم أيها المؤمنون ، ودل على عظيم الرحمة بقوله: {ذلك} أي الإحسان العالي المنزلة {هو} أي لا غيره {الفوز} .
ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى: {المبين} الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره ، لأنه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص ، بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا ، فإنها - مع كونها كانت فوزاً - كانت خفية جداً على غير الموقنين {وأما الذين كفروا} أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان ، فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته.
ولما كان هذا الستر سبباً واضحاً في تبكيتهم قال: {أفلم} أي فيقال لهم: ألم يأتكم رسلي ، وأخلق لكم عقولاً تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي أتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم {تكن آياتي} على ما لها من عظمة الإضافة إليّ وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي.