{وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} [آل عمران: 97] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى:
{وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى:
{وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى:
{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ ..} [النور: 26] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.