وانصرفوا عن المدينة ، ومعهم نفر من اليهود ، فقال له في الطريق نفر من هذيل: يدلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة بمكة ، وأرادت هذيل هلاكه ، لأنهم عرفوا أنه ما أراده أحد بسوء إلا هلك.
فذكر ذلك للحبرين ، فقالوا: ما نعلم الله بيتاً في الأرض غير هذا ، فاتخذه مسجداً ، وانسك عنده ، واحلق رأسك ، وما أراد القوم إلا هلاكك.
فأكرمه وكساه ، وهو أول من كسا البيت ؛ وقطع أيدي أولئك النفر من هذيل وأرجلهم ، وسمر أعينهم وصلبهم.
وقال قوم: ليس المراد بتبع رجلاً واحداً ، إنما المراد ملوك اليمن ، وكانوا يسمون التتابعة.
والذي يظهر أنه أراد واحداً من هؤلاء ، تعرفه العرب بهذا الاسم أكثر من معرفة غيره به.
وفي الحديث:"لا تسبوا تبعاً فإنه كان مؤمناً"، فهذا يدل على أنه واحد بعينه.
قال الجوهري: التتابعة ملوك اليمن ، والتبع: الظل ، والتبع: ضرب من الطير.
وقال أبو القاسم السهيلي: تبع لكل ملك اليمن ، والشحر حضرموت ، وملك اليمن وحده لا يسمى تبعاً ، قاله المسعودي.
والخيرية الواقعة فيها التفاضل ، وكلا الصنفين لا خير فهم ، هي بالنسبة للقوة والمنعة ، كما قال: {أكفاركم خير من أولئكم} بعد ذكر آل فرعون في تفسير ابن عباس: أهم أشد أم قوم تبع؟ وإضافة قوم إلى تبع دليل على أنه لم يكن مذهبهم.
{أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} : إخبار عما فعل تعالى بهم ، وتنبيه على أن علة الإهلاك هي الإجرام ، وفي ذلك وعيد لقريش ، وتهديد أن يفعل بهم ما فعل بقوم تبع ومن قبلهم من مكذبي الرسل لإجرامهم ، ثم ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث ، وهو خلق العالم بالحق.
وقرأ الجمهور: {وما بينهما} من الجنسين ، وعبيد بن عميس: وما بينهن لاعبين.
قال مقاتل: عابثين.
{ما خلقناهما إلا بالحق} : أي بالعدل ، يجازي المحسن والمسيء بما أراد تعالى من ثواب وعقاب.