قوله: {إِلاَّ مَوْتَتَنَا} : منصوبٌ على المصدر . والعاملُ فيه الوصفُ قبلَه ، ويكون استثناءً مفرَّغاً . وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ ، أي: لكنْ الموتةُ الأولى كانت لنا في الدنيا . وهذا قريبٌ في المعنى مِنْ قولِه تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى} [الدخان: 56] وفيها بَحْثٌ حَسَنٌ وهناك إنْ شاء اللَّهُ يأتي تحقيقُه .
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)
وقوله: {إِنَّ هذا لَهُوَ} : إلى قوله:"العامِلون"يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ كلامِ القائلِ ، وأَنْ يكونَ مِنْ كلامِ الباري تعالى .
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62)
قوله: {نُّزُلاً} : تمييزٌ ل"خَيْرٌ"، والخيريَّةُ بالنسبة إلى ما اختاره الكفارُ على غيرِه . والزَّقُّوم: شجرةٌ مَسْمومة يَخْرج لها لبنٌ ، متى مَسَّ جسمَ أحدٍ تَوَرَّم فماتَ . والتَزَقُّمُ البَلْعُ بشِدة وجُهْدٍ للأشياءِ الكريهة . وقولُ أبي جهلٍ - وهو من العرب العَرْباء -"لا نعرفُ الزَّقُّومَ إلاَّ التمرَ بالزُّبْدِ"من العِناد والكذب البَحْتِ .
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)
قوله: {رُءُوسُ الشياطين} : فيه وجهان ، أحدهما: أنه حقيقةٌ ، وأنَّ رؤوسَ الشياطينِ شجرٌ بعينِه بناحيةِ اليمن يُسَمَّى"الأسْتَن"وقد ذكره النابغةُ:
3812 تَحِيْدُ عن أَسْتَنٍ سُوْدٍ أسافِلُها ... مثلَ الإِماءِ الغوادي تَحْمِل الحُزَمَا
وهو شجرُ مُرٌّ منكَرُ الصورةِ ، سَمَّتْه العربُ بذلك تشبيهاً برؤوس الشياطين في القُبْح ثم صار أصلاً يُشَبَّه به . وقيل: الشياطين صِنْفٌ من الحَيَّاتِ ، ولهنَّ أعْراف . قال:
3813 عُجَيِّزٌ تَحْلِفُ حينَ أَحْلِفُ ... كمثلِ شيطان الحَماطِ أَعْرَفُ
وقيل: وهو شجرٌ يقال له الصَّوْمُ ، ومنه قولُ ساعدةَ بن جُؤَيَّة: