إذا نظرت في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم ينف الذات، إنما نفى فعل الذات {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. . (46) } [هود]
لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:". . لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم وأحسابكم"
وكلمة {مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) } [الصافات] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك من حولك حين تستغيث بهم، فإن كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يسمى كربا، ووصف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحد دفعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجر به الأرض، ويغطي قمم الجبال، فأين المفر إذن؟
ومعلوم أن الماء قوام حياة كل حي، ومن أجل نعم الله علينا، لكن إن أراد سبحانه جعل الماء نقمة وعذابا، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجى الله موسى بالماء، وأهلك فرعون بنفس الماء.
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) } [الصافات] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) } [الصافات] أي: في الناس جميعا من بعده يثنون عليه.
{سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) } [الصافات]
فالناس جميعا عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمل في سبيل دعوته المشاق، ومكث في دعوة قومه هذا العمر الطويل، الذي خالف أعمار الناس أن يسلموا عليه، وينبغي حين نسمع ذكره أن نسلم عليه، فنقول: عليه السلام {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ (79) } [الصافات] أي: اعطه السلامة والسلام {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) } [الصافات] يعني: هذه سنة لله متبعة في أنبيائه، أن ينصرهم ويبقى لهم الذكر الحسن من بعدهم {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) } [الصافات]
وقوله: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) } [الصافات] يعني: الكافرين. وكلمة (الآخرين) إهمال لهم، واحتقار لشأنهم. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 12784 - 12787} .