{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) }
قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) } [الصافات] يعني: ليس هؤلاء بدعا في الضلال، فقد ضل قبلهم كثيرون ممن سبقوهم، وهذا يعني أن قلة آمنت، والكثرة ضلت {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) } [الصافات] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزلل، حتى لو كان منفردا عن الناس، فإن ضعفت عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوامة الأوابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإن ألف المعصية وضعفت عنده النفس اللوامة، ولم يعد له رادع من ذات نفسه ردعه المجتمع الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر]
وفرق بين: وصوا وتواصوا، تواصوا يعني: يوصي بعضكم بعضا، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمع حتى المؤمن المتدين يتفاوت الناس فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بد أن يوجد في المجتمع من يضعف فيشذ، أو تصيبه غفلة، فيجد من يردعه، ويجد من يذكره حتى يعود إلى الجادة.
فإذا فقد الرادع من المجتمع، وعم الفساد المجتمع قلنا: تدخلت السماء برسول جديد ومنهج جديد.