قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا ...
أحاديث الكرام على المدام
وجيء به ماضياً لصدق الإخبار به ، فكأنه قد وقع.
ثم حكى تعالى عن بعضهم ما حكى ، يتذكر بذلك نعمه تعالى عليه ، حيث هداه إلى الإيمان واعتقاد وقوع البعث والثواب والعقاب ، وهو مثال للتحفظ من قرناء السوء والبعد منهم.
قال ابن عباس وغيره: كان هذا القائل وقرينه من البشر.
وقالت فرقة: هما اللذان في قوله: {ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} وقال مجاهد: كان إنسياً وجنياً من الشياطين الكفرة.
وقرأ الجمهور: {من المصدقين} ، بتخفيف الصاد ، من التصديق ؛ وفرقة: بشدها ، من التصدق.
قال قرة بن ثعلبة النهراني: كانا شريكين بثمانية آلاف درهم ، يعبد الله أحدهما ، ويقصر في التجارة والنظر ؛ والآخر كان مقبلاً على ماله ، فانفصل من شريكه لتقصيره ، فكلما اشترى داراً أو جارية أو بستاناً ونحوه ، عرضه على المؤمن وفخر عليه ، فيتصدق المؤمن بنحو من ذلك ليشتري به في الجنة ، فكان من أمرهما في الآخرة ما قصد الله.
وقال الزمخشري: نزلت في رجل تصدق بماله لوجه الله ، فاحتاج ، فاستجدى بعض إخوانه ، فقال: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به ليعوضني الله في الآخرة خيراً منه ، فقال: {أئنك لمن المصدقين} بيوم الدين ، أو من المتصدقين لطلب الثواب؟ والله لا أعطيك شيئاً.
{أئنا لمدينون} ، قال ابن عباس ، وقتادة والسدي: لمجازون محاسبون ؛ وقيل: لمسوسون مديونون.
يقال: دانه: ساسه ، ومنه الحديث:"العاقل من دان نفسه"والظاهر أن الضمير في {قال هل أنتم} عائد على قائل في قوله: {قال قائل} .
قيل: وفي الكلام حذف تقديره: فقال لهذا القائل حاضروه من الملائكة: إن قرينك هذا في جهنم يعذب ، فقال عند ذلك: {هل أنتم مطلعون} .
والخطاب في {هل أنتم مطلعون} يجوز أن يكون للملائكة ، وأن يكون لرفقائه في الجنة الذين كان هو وإياهم يتساؤلون ، أو لخدمته ، وهذا هو الظاهر.