عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصْرِيِّ، قَالَ:"لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إِيَّاهُ مَا عَرَفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حِبْرُهُ وَسِبْرُهُ بَعْدَهُ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ اطَّلَعَ فَرَأَى جَمَاجِمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: {تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} "
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونِي فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) قَالَ: «فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ»
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي {مُطَّلِعُونَ} إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا مِنْ شَوَاذِّ الْحُرُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤْثِرُ فِي الْمَكْنِيِّ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِذَا اتَّصَلَ بِفَاعِلٍ عَلَى الْإِضَافَةِ فِي جَمْعٍ أَوْ تَوْحِيدٍ، لَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا أَنْتَ مُكَلِّمُنِي وَلَا أَنْتُمَا مُكَلِّمَانِي وَلَا أَنْتُمْ مُكَلِّمُونِي وَلَا مُكَلِّمُونَنِي، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ أَنْتَ مُكَلِّمِي، وَأَنْتُمَا مُكَلِّمَايَ، وَأَنْتُمْ مُكَلِّمِيَّ.
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ تَوَهُّمًا بِهِ: أَنْتَ تُكَلِّمُنِي، وَأَنْتُمَا تُكَلِّمَانْنِي، وَأَنْتُمْ تُكَلِّمُونَنِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
وَمَا أَدْرِي وَظَنِّي كُلَّ ظَنٍّ ... أَمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي؟
فَقَالَ: مُسْلِمُنِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَجْهُ الْكَلَامِ، بَلْ وَجْهُ الْكَلَامِ أَمُسْلِمِي؛ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ ظَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْفَاعِلِ، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا أَضَافُوا، وَرُبَّمَا لَمْ يُضِيفُوا، فَيُقَالُ: هَذَا مُكَلِّمٌ أَخَاكَ، وَمُكَلِّمُ أَخِيكَ، وَهَذَانِ مُكَلِّمَا أَخِيكَ، وَمُكَلِّمَانِ أَخَاكَ، وَهَؤُلَاءِ مُكَلِّمُو أَخِيكَ، وَمُكَلِّمُونَ أَخَاكَ؛ وَإِنَّمَا تَخْتَارُ الْإِضَافَةِ فِي الْمَكْنِيِّ الْمُتَّصِلِ بِفَاعِلٍ لِمَصِيرِ الْحَرْفَيْنِ بِاتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ، كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ
وَقَوْلُهُ: {تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ}
يَقُولُ: فَلَمَّا رَأَى قَرِينَهُ فِي النَّارِ قَالَ: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ فِي الدُّنْيَا لَتُهْلِكُنِي بِصَدِّكَ إِيَّايَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.