إنما لَذَّةٍ أي هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ فلان عَدْلٌ. ووصف الخمر في الآخرة بأنها {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} الصافات 46 لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها. لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا. أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} الصافات 47 أي لا تغتال العقول، ولا تذهب بها. {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} الصافات 47 نقول انزف الحوض. يعني أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان. ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف. أو يكون المعنى {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} الصافات 47 أي لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
{وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} * {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}
هذا وَصْف لنساء الجنة فهُنَّ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ..} الصافات 48 يعني تغضّ بصرها، فلا تنظر إلى غير زوجها، وقلنا إن أغلى ما يتملّكه الإنسان يمكن أنْ يهبه لغيره، فأنت تُعِيرُ صاحبك سيارتك مثلاً أو بيتك أو ثوبك .. الخ أما المرأة فهي الشيء الوحيد الذي لا تقبل مجرد النظرة إليها، لِمَا لها من خُصُوصية ومنزلة، كذلك تحبُّ من زوجتك ألاَّ تمتدَّ عَيْنُها إلى غيرك، وهذه من صفات أهل الجنة فَهُنَّ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ..} الصافات 48 تقصر نظرها على زوجها، وهُنَّ كما في آية أخرى
{حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}