ثم أضرب سبحانه عما تقدّم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنالك ، فقال: {بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ} أي: منقادون لعجزهم عن الحيلة.
قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله.
وقال الأخفش: ملقون بأيديهم ، يقال: استسلم للشيء: إذا انقاد له وخضع.
{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} أي: أقبل بعض الكفار على بعض يتساءلون.
قيل: هم الأتباع ، والرّؤساء يسأل بعضهم بعضاً سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة.
وقال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين.
وقال قتادة: هو قول الإنس للجنّ ، والأوّل أولى لقوله: {قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين} أي: كنتم تأتوننا في الدنيا عن اليمين ، أي: من جهة الحقّ ، والدين ، والطاعة ، وتصدّونا عنها.
قال الزجاج: كنتم تأتوننا من قبل الدين ، فتروننا أن الدين ، والحق ما تضلوننا به ، واليمين عبارة عن الحق ، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم} [الأعراف: 17] قال الواحدي: قال أهل المعاني: إن الرّؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الأتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق ، فوثقوا بأيمانهم: فمعنى {تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين} أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها ، فوثقنا بها.
قال: والمفسرون على القول الأوّل.
وقيل: المعنى: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ، ونتفاءل بها ، لتغرّونا بذلك عن جهة النصح ، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين ، وتسميه السانح.