والحاصل: أن المراد هو التزيين في رأي العين، سواء كانت أصول الزينة سماء الدنيا أو في غيرها. وهذا مبني على ما ذهب إليه أهل الهيئة، من أن الثوابت مركوزة في الفلك الثامن وما عدا القمر في الستة المتوسطة، وإن لم يثبت ذلك بنقل، فحقيقة ذلك عند الله تعالى.
7 -وانتصاب {حفظًا} على المصدرية بإضمار فعل؛ أي: حفظناها حفظًا أو على أنه مفعول لأجله؛ أي: زيناها بالكواكب للحفظ أو بالعطف على محل {زينة} ، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء، وحفظًا لها {مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ} برمي الشهب المنقضة منها إليه {مارِدٍ} ؛ أي: عال على الله، خارج عن الطاعة، متعرّ عن الخير من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ونحو الآية قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ} .
والمعنى: أي إنا جعلنا الكواكب والنجوم زينة في السماء القريبة منكم، بما لها من البهجة والجمال وتناسب الأشكال وحسن الأوضاع، ولا سيما لدى الدارسين لنظامها، المفكرين في حسابها، إذ يرون أن السيارات منها متناسبة المسافات، بحيث يكون كل سيار بعيدًا من الشمس، ضعف بعد الكواكب الذي قبله. {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7) } ؛ أي: وحفظنا السماء أن يتطاول، لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها، الجهال والشياطين، المتمردون من الجن والإنس، لأنهم غافلون عن آياتنا، معرضون عن التفكر في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه.
وكانت الشياطين أولًا لا يحجبون عن السماوات كلها، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقونها على الكهنة. فلما ولد عيسى عليه السلام، منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد - صلى الله عليه وسلم - منعوا من السماوات كلها. فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب. وهو الشعلة من النار فلا يخطئه أبدًا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولًا يضل الناس في البراري.