والجواب: أن الموضع الأول لم يتقدمه شيء يوجد عدولهم عن التعبير عن معتقاداتهم (في إنكار الإحياء بعد الموت فورد على ما يطابق معتقادهم) ، وأما الآية الأخرى فقد تمهد قبلها ذكر الجزاء الأخراوي وذكر السؤال، فأول ذلك ذكر ما يقال لهم إذا حشروا قال تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات: 24) وقول بعد: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الصافات: 39) ، وقوله بعد: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (الصافات: 27) ، وهذا في الآخرة إلى قوله: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ) (الصافات: 51 - 52) ، وهذا قول الكافر وقد باشر العذاب، فأخبر عن قرينه الذي قيد له المشار إليه بقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف: 36) ، فأخبر عنه سبحانه أنه كان يقول له في دنياه: (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) (الصافات: 52 - 53) أي لم لمجزيون بأعمالهم وما إجترحناه في دنيانا، وفي طي قولهم: (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) إنكار للبعث لإنكارهم ما ينبني عليه ويترتب بعده من الجزاء، وقد تقدم ذكر الجزاء فناسبه ذكر تعجبهم منكرين وقوعه، ولم يكن ليحسن وقوع (لَمَدِينُونَ) في الآية الأولى إذا كأن يكون هناك غير مفصح بإنكارهم البعث ولا ورد قبلهع ما يستدعيه، فجاء كل على ما يجب ويناسبه، والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 410}