الأحزاب 72. وقلنا إن هناك فَرْقاً بين قدرة النفس على تحمُّل الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيَّرتْ الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك وبين أدائها لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حَمْل الأمانة، وخرجت عن مرادها لمراد ربها، فكانت مُسخَّرة. إذن فهي أيضاً مُخيَّرة إلا أنها اختارتْ بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً ينفذ أو لا ينفذ. ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق مُحكَم، لا يشذ ولا يتخلف أبداً
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}
الرحمن 5 - 6. وقال
{لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
يس 40.
أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي رُسِمَ له. إذن أيّهما أعظم خَلْقاً، وأشدّ تكويناً، وأصحّ أداءً؟ لا يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أنْ يقولوا السماوات والأرض أشدُّ وأعظم من خَلْق الإنسان. ومثال ذلك حين سألهم الله
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}
الزخرف 87
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}
الزمر 38 لأن هذه كلها حقائق لا تُنكر، حتى من الكفار. ثم يسوق لهم الحق سبحانه دليلاً على صِدْق هذه المسألة، فيقول {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} الصافات 11 يعني هذا أصلهم، فأين هم من خَلْق السماوات والأرض؟ ومعنى {لاَّزِبٍ} الصافات 11 يعني طين متماسك بعضه ببعض، فهو وَسَط بين السيولة والصلابة، يعني أشبه ما يكون بطين الصَّلْصَال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وُضِع عليه الماء، فإنْ زاد الماء صار الطين لَيِّناً يسيل من يدك، وإنْ قَلَّ الماء جَفَّ وتصلَّبَ. لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني يعترضون من أيِّ شيء خَلِق الإنسان، والقرآن قال
{مِّن طِينٍ}
المؤمنون 12 و
{مِّن تُرَابٍ}
الحج 5 و
{مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}
الحجر 33 و
{مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}