(ذكر القرآن مشرقا ومغربا واحدا، وذكر مشرقين ومغربين، وذكر مشارق ومغارب، فقال مرة رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 9] وقال رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17] وقال فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 40] وقال هاهنا في سورة الصافات وَرَبُّ الْمَشارِقِ وحاول بعض
المفسرين أن يذكر تعليلا لذلك والذي يبدو لي أن التعليل الوحيد لذلك هو: أن الإنسان في أي مكان من الأرض يرى شروقا واحدا للشمس، وغروبا، والغروب في حقه شروق في حق غيره من الجهة الثانية من الأرض، والشروق في حقه غروب في حق غيره، ومن ثمّ كان مشرقان ومغربان،
ولكنه في الحقيقة ما من لحظة من اللحظات إلا وفيها شروق وغروب بالنسبة لجزء من أجزاء الكرة الأرضية، ومن ثمّ كانت مشارق ومغارب، فإن يذكر القرآن هذا المعنى فذلك من معجزاته الكثيرة وفي ذكر المشارق والمغارب إشارة إلى كروية الأرض، لأنه لا يمكن أن يكون مشارق ومغارب إلا إذا كانت الأرض كروية، وفي ذلك كذلك معجزة قرآنية إذا نظرنا إلى معارف الجزيرة العربية في عصر نزول القرآن.
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى:
وَرَبُّ الْمَشارِقِ. (ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق، فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السماوات الفسيحة .. وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش عليها كذلك. فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة - كما تتوالى المغارب - فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس كان هناك مشرق على هذا القطاع، وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية. حتى إذا تحركت الأرض كان هناك مشرق آخر على القطاع التالي، ومغرب آخر على القطاع المقابل له وهكذا ... وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم؛ ولكن خبّرهم بها الله في ذلك الزمان القديم!