وقوله: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} الجمهور على فتح الهمزة، وهي استفهام على وجه الإنكار والاستبعاد، كقوله: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} ، وحذفت همزة الوصل اكتفاء بهمزة الاستفهام لعدم اللبس، وقرئ: (اِصطفى) بكسر الهمزة على الخبر، وذلك يحتمل أوجهًا: أن
يكون من كلام الكفرة بدلًا من قولهم: {وَلَدَ اللَّهُ} ، لأن ولادةَ البناتِ واتخاذَهن اصطفاءٌ لهن، فأُبدل مثال الماضي من مثال الماضي. وأن يكون تفسيرًا للكذب الذي نسب إليهم في قولهم: {وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} ، كما أن قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} تفسير للوعد. وأن يكون على معنى: اصطفى البنات فيما يقولون، وأن يكون على إضمار القول، أي: وإنهم لكاذبون قالوا: اصطفى البنات على البنين، وأن يكون عطفًا على {وَلَدَ اللَّهُ} وحُذف العاطف، لأن في الجملة الثانية ذكرًا من الأولى والتباسًا بها، كقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ} وقوله: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} على قراءة من حذف العاطف وهو ابن عامرٍ، والوجه قراءة الجمهور، لأجل أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها، وذلك قوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} فجاعلها خبرًا مُوقِعٌ دخيلًا بين نَسِيْبَيْنِ، وذلك غير مألوف في كلام القوم.
وقرئ: (آصطفى البنات) بالمد، على إبدال التي للوصل مَدَّةً، كما فعل الجمهور بالتي مع حرف التعريف، نحو: آلقوم عندك؟ {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} ، وهو بعيد، وقياس فاسد، لأن البدل مع حرف التعريف لازم لأداء حذفها إلى الإلباس، بخلاف غيرها وهي المكسورة، نحو: ابنُ زيدٍ قام، والمضمومة نحو: انْطُلق بزيدٍ، فالحذف هنا واجب لعدم اللبس لأجل اختلاف حركتها، والقلب مع حرف التعريف لازمٌ لاتفاق حركتهما، فاعرف الفرقان بينهما.