والمعنى: وجعل لله نظيرا من الخلق، إذ قاس قدرته على قدرتهم، فنفى قدرته على أن يبعث الخلائق، ونسى خلق الله له من نطفة، إذ قال - وهو يضرب المثل لله بطريق الإنكار والنفي العام: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ؟ أي: شديدة البلى، يريد أنه لا يستطيع أحد أن يحييها، فأدرج المولى مع الخلائق في هذا النفي العام، وبهذا سواه بالخلائق في العجز عن إعادة الحياة للعظم الرميم وجعله مثلهم، فهذا هو معنى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} .
ومن العلماء من فسر المثل بالأمر الغريب، والمعنى عليه: وأورد في شأننا أمرًا غريبًا يشبه المثل في غرابته، وهو إنكار إحيائنا للعظم الرميم، والمعنى السابق أظهر.
79 - {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ... } الآية:
أمر من الله لرسوله أن يجيب على سؤال هذا المعاند، مرشدًا إلى سبيل معرفة الحق. والمعنى: قل له أيها الرسول: يحيي هذه العظام بعد أن تبلى أشد البلى - يحييها - الذي أبدعها أول مرة ورباها، وذلك بأن يحيي الجسد كله والعظام في جملته، فتجرى فيها الحياة لجريانها فيه، وتصبح صلبة مترابطة، بعد أن كانت هشة متفتتة، وذلك أيسر في القياس من بدء خلقها، فذلك من القياس الأولوي، وكان الفارابي يقول: وددت لو أن أرسطو وقف على القياس الجلي في قوله - تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} (وهو الله تعالى، أنشأ العظام وأحياها أول مرة، وكل من أنشأ شيئًا أولا قادر على إنشائه وإحيائه ثانيًا، فيلزم أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيًا) . إ هـ.
{وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} : وهو بكل مخلوق واسع العلم، ولهذا يعلم من كل إنسان صفاته التي كان عليها في الدنيا، وتفاصيل أجزائه وأوضاعها بعضها من بعض، فيعيد كل ذلك على النمط الذي كان عليه، على حد قوله - تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} .
80 - {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} :