وكان سببها: أنّ النّبيّ عليه السّلام لمّا أجلى بني النّضير ساروا إلى خيبر ورأسهم أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، فخرج حييّ بن أخطب وكنانة بن الربيع وأبو عمّار اليهوديّ في بضعة عشر رجلا إلى مكة، فدعوا قريشا إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودعوا سائر القبائل كذلك، فسارت قريش وأتباعها في أربعة آلاف قائدهم أبو سفيان، وفيهم ثلاث مئة فرس، وألف وخمس مئة بعير، وسارت غطفان وفزارة في ألف يقودهم عيينة بن حصين الفزاريّ، وسارت سليم في تسع مئة يقودهم أبو الأعور السلميّ، وسارت بنو أسد في عدد كثير يقودهم طليحة [بن] خويلد، وسارت أشجع في أربع مئة يقودهم مسعر بن دحيلة، وأقبلت يهود في عدد كبير، فلما انتهوا إلى المدينة استعانوا ببني قريظة، فأعانوهم، وصاروا معهم إلى أن فرّق الله بينهم، وعسكر رسول الله عليه السّلام خارج المدينة نحوهم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة، ثمّ شاور أصحابه بإذن الله، فأشار عليه سلمان الفارسيّ بحفر الخندق، فأعجب المسلمون رأيه، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سلعا خلفه، وخندق بين يديه مقدار ما كان عورة، وكان سائر المدينة كالحصن من جهة البنيان، وأرسل النّسوان والصّبيان إلى الآطام.
وعن البراء بن عازب: كان النبيّ عليه الصلاة والسّلام ينقل معهم التراب يوم الخندق، وهو يقول:
«اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة»
ويقول:
«اللهمّ ... لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الأولى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا»
ورفع بها صوته، بأبينا.
وقتل عليّ (262 و) رضي الله عنه يومئذ عمرو بن عبدودّ، وقد أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيفه، فقتله، وقتل الزبير نوفل [بن] عبد الله المخزوميّ، ورمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ فقطع أكحله، ولم يمت حتى حكم حكمه في بني قريظة بإذن الله عز وجل، ثم سأل الله الشهادة، فانفجرت الجراحة.