وثالثها: أنا نرى المرئي حيث هو ، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته فِي حيزه ومكانه ، وأما قوله: فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة المرتسمة من الحرارة فِي العقل ، إما أن تكون مساوية للحرارة فِي الماهية أو لا تكون ، فإن كان الأول لزم أن يصير العقل حاراً عند تصور الحرارة لأن الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة ، وإن كان الثاني لم يكن تعقل الماهية إلا عبارة عن حصول شيء فِي الذهن مخالف للحرارة فِي الماهية وذلك يبطل قوله ، وأما الذي ذكر من انطباع الصور فِي المرآة فقد اتفق المحققون من الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع فِي المرآة فثبت أن الذي ذكره فِي تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جداً وقد يكون لبلوغه فِي الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفاً له ، والعجز عن تعريف العلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصوراً بديهياً جلياً ، فلا حاجة فِي معرفته إلى معرف ، والدليل عليه أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا فِي لجة البحر ، والعلم الضروري بكونه عالماً بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين ، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلاً كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلاً وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعاً فهذا القدر كافٍ ههنا وسائر التدقيقات مذكورة فِي"الكتب العقلية"والله أعلم.
فائدة: