فقال موسى بملء فيه (كلا) قالها على سبيل اليقين قَوْلة الواثق من أن ربه لن يتخلى عنه ، لم يقُلْها برصيد من عنده ، إنما برصيد إيمانه في الله {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] وهذا هو المَفْزَع لكل مؤمن .
لِمَ لا ، وأنت إنْ كانت لديك قضية ترتاح إنْ وكَّلْتَ فيها محامياً يدافعَ عنك ، فما بالك إنْ وكَّلت رب الأرض والسماء ، فكان هو سبحانه المحامي والقاضي والشاهد والمنفِّذ للحكم؟
وأنت ترى القاضي في الدنيا يحكم ببينة قد يُدلِّس فيها ويحكم ، ويحكم بإقرار لا يستطيع أنْ يتنزعه من صاحبه ، أو بشهادة الشهود ، وقد يكونون شهودَ زور ، ثم هو بعد ذلك لا يملك تنفيذ حكمه ، فهناك سلطة قضائية تحكم وسلطة تنفيذية تنفذ ، حتى السلطة التنفيذية يستطيع المجرم أن يفلت منها .
أما في محكمة العدل الإلهي ، فقاضيها هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يحتاج إلى بينة أو إقرار أو شهود ، ولا يستطيع أحد أنْ يُدلِّس عليه سبحانه ، أو أنْ يُفِلت من حكمة ؛ لذلك قال تعالى عن نفسه: {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} [الأعراف: 87] .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ...} .
لك أن تلحظ الفرق بين أسلوب هذه الآية {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ...} [الروم: 51] والآية السابقة {الله الذي يُرْسِلُ الرياح ...} [الروم: 48] فيرسل: مضارع دالٌّ على الاستمرار ، والرياح كما قلنا لا تُستعمل إلا في الخير ، فكأن إرسال الرياح أمر متوافر ، وكثيراً ما يحدث فضلاً من الله وتكرُّماً .