أما هنا ، وفي الحديث عن الريح ، وسبق أن قُلْنا: إنها لا تستعمل إلا في الشر ، فلم يقُلْ يرسل ، بل اختار (إن) الدالة على الشك ، والفعل الماضي الدال على الانتهاء لماذا؟ لأن ريح الشر نادراً ما تحدث ، ونادراً ما يُسلِّطها الله على عباده ، فمثلاً ريح السَّمُوم تأتي مرة في السنة ، كذلك الريح العقيم جاءتْ في الماضي مرة واحدة ، كذلك الريح الصرصر العاتية .
إذن: فهي قليلة نادرة ، ومع ذلك إنْ أصابتهم يجزعون وييأسون ، وهذا لا ينبغي منهم ، أليست لهم سابقة في عدم اليأس حين يئسوا من إرسال الرياح ، فأرسلها الله عليهم ومن إنزال المطر فأنزله الله لهم ، فلماذا القنوط والرب موجود؟
ومعنى {فَرَأَوْهُ ...} [الروم: 51] أي: رأوا الزرع الذي كان أخضر نضراً {مُصْفَرّاً ...} [الروم: 51] أي: متغيراً ذابلاً {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [الروم: 51] يكفرون باليأس الذي يعزل الحق سبحانه عن الأحداث ، مع أن لهم سابقة ، وقد يئسوا وفرَّج الله عليهم .
ذلك لأن الإنسان لا صبرَ له على البلاء ، فإنْ أصابه سرعان ما يجزع ، ولو قال أنا لي رب أفزع إليه فيرفع عني البلاء ، وأن له حكمة سأعرفها لاستراحَ ولهانَ عليه الأمر .
ولك أنْ تسأل: لماذا قال القرآن {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا ...} [الروم: 51] ولم يقُلْ وإن؟ قالوا: هذه اللام الزائدة يُسمُّونها اللام واو القسم واللام مُوطِّئة له ، وللحق سبحانه أن يقسم بما يشاء على ما يشاء ، وكل قسم يحتاج إلى جواب ، تقول: والله لأضربنَّك .
كذلك الشرط في (إن) يحتاج إلى جواب للشرط ، والحق سبحانه هنا مزج بين القسمَ والشرط في جملة واحدة ، فإنْ قلت فالجواب هنا للقسمَ أم للشرط؟