وفي مطلع هذه المرحلة يصطفي الله الرسل مبشرين ومنذرين، حيث يكون الإنسان فيها أقدر على التأثير في غيره والتوجيه له، وهي مرحلة الثقة التي يأخذ عنها الغير في ثقة مبرأة من طيش الشباب، وأنانية الرجولة وحرصها، وحين اتهم قوم عاد هودًا -عليه السلام- بالسفه، ردَّ الله عليهم دعواهم الباطلة بأنه رسول من رب العالمين، قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 66 - 67] ، ويمتن الله على عيسى بن مريم عليه السلام بأنه دعا
الناس وهو في المهد، وكذلك وهو كهل في سنن النبوة، فهو من الصالحين: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] ، {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة: 110] .
وفي مرحلة الكهولة تتمكن العادات من النفس، فتصير طبيعة بشرية، لا تنفك عن صاحبها، فإن كانت العادات حسنة، انصهرت بأخلاق فاضلة، وصلاح وتقوى، ليرتقي الكهل إلى منزلة العالم الخبير المجرب، والواعظ المخلص في دعوته؛ وإن تمكنت منه عادات فاسدة سيئة، صارت فيه طبيعة بشرية لا ينفك عنها إلا من هداه الله تعالى، ولهذا السبب أكد العلماء أن سن الأربعين هو الفيصل في حياة الإنسان، وهو بشير خير، أو نذير شر، على حسب سلوك الشخص في مراحله السابقة، هذا كله من حيث الظاهر، أما الباطن فيختص بعلمه الله عز وجل، ولا ردَّ لقضائه، فهو فعال لما يريد: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .