وقد ظن بعضهم أن معنى قوله"أو ليس خياركم أولاد المشركين"
أنه قد يكون في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز.
وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون، وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.
(مسألة)
فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، وقال نوح عن قومه {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا:"إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا".. الحديث؟
قيل: هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة، ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له، هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلي، وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل، فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر.
(فصل)
والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما أصل السعادة:
أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها وثبت عنه أنه قال:
"يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"
فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئا ولم تشرك به ولم تجحد كمال ربوبيته وكان أحب شيء إليها وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها.