وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة، لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه، ولهذا قالوا لمالك بن أنس إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره، وهو قول"الله أعلم بما كانوا عاملين"
فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر باختياره، ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح
"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا"
فقوله طبع يوم طبع. أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد، ولا في حال ولادته، فإنه مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:
"خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره.
قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
"ما حملكم على قتل الذرية؟"
قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟
قال أوليس خياركم أولاد المشركين""
ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال:"ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه"
فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم"أو ليس خياركم أولاد المشركين"
نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك.
ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين.