يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُمْ، يَعْنِي الشُّعَرَاءَ فِي كُلِّ وَادٍ يَذْهَبُونَ، كَالْهَائِمِ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ، بَلْ جَائِرًا عَلَى الْحَقِّ، وَطَرِيقِ، الرَّشَادِ، وَقَصْدِ السَّبِيلِ.
وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي افْتِنَانِهِمْ فِي الْوجُوهِ الَّتِي يَفْتَنُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَمْدَحُونَ بِالْبَاطِلِ قَوْمًا وَيَهْجُونَ آخَرِينَ كَذَلِكَ بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} "
يَقُولُ: فِي كُلِّ لَغْو يَخُوضُونَ""
وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}
يَقُولُ: وَأَنَّ أَكْثَرَ قِيلِهِمْ بَاطِلٌ وَكَذِبٌ.
وَعَنِيَ بِذَلِكَ شُعَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي: يَا أَبَا أُسَامَةَ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:" {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} فَقَالَ لَهُ أَبِي: إِنَّمَا هَذَا لِشُعَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَ شُعَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . إِلَخْ. فَقَالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا أُسَامَةَ؛ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ"
وَقَوْلُهُ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .
وَذُكِرَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ نَزَلَ فِي شُعَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ هُوَ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا. وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ.