1 -فهناك من الناس معدِنُهم كالصوديوم والبوتاسيوم، فهم في نشاط مستمر، وعمل دائب، لا يكل ولا يمل، كثير العطاء وإيجابي، خصوصًا إذا علمنا أن ذرة الصوديوم تحمل في مدارها الخارجي"إلكترونًا"واحدًا؛ لذا فهي تميل إلى فقده؛ أي تجود به على عنصر آخر، وتبقى هي موجبة الشحنة، ومن هنا كان العطاء والإيجابية تجاه الآخرين والفاعلية والتأثير، فهذا الصنف فاعل ومؤثِّر، ولا يهدأ له بال، ولا يستقر له حال، حتى يحقق الهدف الذي يسعى إليه، وهو كذلك يحمل عن الناس أثقالهم، ويتفانَى في خدمة الآخرين، ولعل هؤلاء الذين جاء الحديث عنهم في القرآن وفي السنة:
أما في القرآن، فقوله تعالى:"وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ" [ص: 24] ، وفي تفسير قوله تعالى:"وَقَلِيلٌ مَا هُمْ"، ذكر القرطبي - رحمه الله تعالى: (يعني الصالحين؛ أي: وقليل هم، وسمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال: أردت قول الله - عز وجل:"إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ"، فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر) [17] ، ومثل ذلك في القرآن كثير.
وأما في السنة، فقد ذكر البخاري - رحمه الله تعالى - في باب (رفع الأمانة) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة ) ).
قال ابن حجر - رحمه الله - في شرح الحديث:
(والمعنى أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل، فعددهم قليل، وذكر القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحَمَالات عنهم، ويكشف كُرُبَهم - عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة) [18] ، وأستطيع أن أنسب الداعي المثال إلى هذه المجموعة.
والعجيب أن عناصر هذه المجموعة تسمى علميًّا (مجموعة الأقلاء) ، وهم فعلاً أقلاء يوجدون بنسبة قليلة بين الكثرة من الناس.