لكن أين القدوة في دوائرنا ومصالحنا الحكومية الآن؟ وأين هو رئيس المصلحة الذي يحضر ، ويجلس على مكتبه في الثامنة صباحاً ليكون قدوة لمرؤوسيه؟ وإن من أشد ما ابتُلينا به أن نفقد القدوة في الرؤساء والمسئولين . لذلك أول ما وُجِّه التشريع والتكليف وُجِّه إلى رسول الله ، وإلى أقرب الناس إليه وهم عشيرته الأقربون ؛ لأن الفساد يأتي أول ما يأتي من دوائر القُرْبى والحاشية التي تحيط بالإنسان ، وقد يكون الرئيس أو الحاكم بخير ، لكن حاشيته هي سبب الفساد ، حيث تستغل اسمه في فسادها أو تُضلِّله وتُعمِّي عليه الحقائق . . إلخ .
لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه ساعة يريد أن يُقرِّر شيئاً للأمة ، ويعلم أنه قَاسٍ عليهم يجمع أهله أولاً ويقول لهم: لقد شاء الله أن أقرر كذا وكذا ، فمَنْ خالفني منكم في شيء من هذا جعلته نكالاً لعامة المسلمين ، وهكذا يضمن أهله وأقاربه أولاً ، ويبدأ بهم تنفيذ ما أرادوه للمسلمين .
وتأمل {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين} [الشعراء: 214] والإنذار كما ذكرنا التحذير من الشرِّ قبل أوانه ، فلم يقُلْ: بشِّر عشيرتك ، كأنه يقول له: إياك أنْ يأخذك به لين ورَأْفة ، أو عطف لقرابتهم لك ، بل بهم فابدأ .
وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه ، فكان صلى الله عليه وسلم يقول لقرابته:"يا عباس يا عم رسول الله ، يا صفية عمة رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد ، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً ، ولا يأتيني الناس بأعمالهم ، وتأتوني بأنسابكم".
وفي الوقت الذي يدعوه إلى إنذار عشيرته الأقربين يقول في مقابلها: {واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك}
بعد أن أمره بالشدة على أهله وقرابته يأمره باللين ، وخَفْض الجناح لباقي المؤمنين به ، وخَفْض الجناح كناية عن اللُّطْف واللين في المعاملة ، وقَد أُخِذ هذا المعنى من الطائر حين يحنو على فراخه ، ويضمهم بجناحه .