بيّن القرآن الكريم أنواع الوحي بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيًا يوحي الله إليه كيف شاء، أو إلهامًا، وإما غيره {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كلم موسى نبيه - عليه السلام - {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولًا إما جبرائيل - عليه السلام -، وإما غيره {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء، يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي، وغير ذلك من الرسالة والوحي.
وقد بينت لنا السنة هذه المراتب.
إِحْدَاهَا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَكَانَتْ مَبْدَأَ وَحْيِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الوحي الرُّؤيا الصَّالِحةُ في النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُو التَّعَبُّدُ - الليالي ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ؟ قَالَ:"مَا أَنَا بِقَارِئٍ". قَالَ:"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أرسلني"فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ:"مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فغطني الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أرسلني فَقَالَ:"