فالمعنى: نزَّله على قلبك مباشرة ، كأنه لم يمرّ بالأذن ؛ لأن الله الله تعالى اصطفى لذلك رسولاً صنعه على عينه ، وأزال عنه العقبات البشرية التي تعوق هذه المباشرة ، فكأن قلبه صلى الله عليه وسلم منتبهاً لتلقّي كلام الله ؛ لأنه مصنوع على عَيْن الله ، أما الذين سمعوا كلام الله بآذانهم فلم يتجاوبوا معه ، فكانت قلوبهم قاسية فلم تفهم .
والقلب محل التكاليف ، ومُستقرّ العقائد ، وإليه تنتهي مُحِصِّلة وسائل الإدراك كلها ، فالعيْن ترى ، والأذن تسمع ، والأنف يشمّ ، والأيدي تلمس . . ثم يُعرض هذا كله على العقل ليختار بين البدائل ، فإذا اختار العقل واطمأن إلى قضية ينقلها إلى القلب لتستقر به ؛ لذلك نسميها عقيدة يعني: أمْر عقد القلب عليه ، فلم يَعُدْ يطفو إلى العقل ليبحث من جديد ، لقد ترسَّخ في القلب ، وأصبح عقيدة ثابتة .
وفي آيات كثيرة نجد المعوّل والنظر إلى القلب ، يقول تعالى: {لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ} [الحج: 37] .
وفي آية أخرى يُبيِّن أن التقوى محلُّها القلب: {ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب} [الحج: 32] .
وفي الشهادة يقول تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] من أن الشهادة باللسان ، لا بالقلب .
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير:"ألا إن في الجسد مُضْغة ، إذا صَلُحتْ صَلُحَ الجسد كله ، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب".