الجواب أن يقال: إن قوله: ما تعبدون معناه: أي شيء تعبدون، وقوله «ماذا» في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن تكون «ما» وحدها اسما، و «ذا» بمعنى: الذي، والمعنى: ما الذي تعبدون، وتعبدون صلة لها. والآخر: أن تكون «ما» مع «ذا» اسما واحدا بمعنى: أي شيء، وهو في الحالين أبلغ من «ما» وحدها إذا قيل: ما تفعل، فما تعبدون في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم، فأجابوه وقالوا: {نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} ، فنبه ثانيا بقوله: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} ، وأما {مَا ذَا تَعْبُدُونَ} في سورة الصافات، فإنها تقريع، وهو حال بعد التنبيه، ولعلمهم بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لم يجيبوا كإجابتهم في الأول ثم أضاف تبكيتا إلى تبكيت، ولم يستدع منه جوابا فقال: {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فلما قصد في الأول التنبيه كانت «ما» كافية، ولما بالغ وقرع استعمل اللفظ
الأبلغ، وهو «ماذا» التي إن جعلت «ذا» منها بمعنى: «الذي» فهو أبلغ من «ما» وحدها، وإن جعلا اسما كان أيضا أبلغ، وأوكد مما إذا خلت من «ذا» .
الآية الثالثة من سورة الشعراء
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} .
للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب إدخال {هُوَ} في قوله: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} ، وقوله: {فَهُوَ يَشْفِينِ} ، وإخلاء قوله: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي} منها، ولم يقل: والذي هو يميتني كما قال: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي} ؟