السادس: الذين طعنوا فِي التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه ، فأجاب الله عنه بقوله: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وتارة بأن الحق هو الجبر ، وأنه ينافي صحة التكليف ، وأجاب الله تعالى عنه بأنه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23] وإنما اكتفينا فِي هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور فِي جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافراً أو جاهلاً.
المقام الثاني: فِي بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات ، ويدل عليه المعقول والمنقول.
أما المعقول: فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد الباقي ، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار ، وإما أن يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفاً بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر ، وإما أن لا يجوز التقليد أصلاً وهو المطلوب ، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية.
وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار أما الآيات.
فأحدها: قوله: {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة ، فكانت الدعوة بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأموراً بها ، وقوله: {وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ} ليس المراد منه المجادلة فِي فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة فِي الخوض معه فِي تفاريع الشرع ، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان فِي التوحيد والنبوة ، فكان الجدال فيه مأموراً به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله: