وقرأ ابن مسعود:"وما بينهما"وسبب فساد المكلفين من بني آدم ظاهر ، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق ، وأما فساد ما عداهم فعلى وجه التبع ؛ لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول فلما فسدوا فسدوا.
ثم ذكر سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال: {بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ} والمراد بالذكر هنا القرآن ، أي بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم ، ومثله قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] .
والمعنى: بل آتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوه ، ويقبلوا عليه.
وقال قتادة: المعنى: بذكرهم الذي ذكر فيه ثوابهم وعقابهم.
وقيل: المعنى بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين.
وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر:"أتيتهم"بتاء التكلم.
وقرأ أبو حيوة والجحدري:"أتيتهم"بتاء الخطاب ، أي أتيتهم يا محمد.
وقرأ عيسى بن عمر:"بذكراهم".
وقرأ قتادة:"نذكرهم"بالنون والتشديد من التذكير ، وتكون الجملة على هذه القراءة في محل نصب على الحال.
وقيل: الذكر هو: الوعظ والتحذير {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي هم بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن هذا الذكر المختص بهم معرضون لا يلتفتون إليه بحال من الأحوال ، وفي هذا التركيب ما يدل على أن إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره.
ثم بين سبحانه أن دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ليست مشبوهة بأطماع الدنيا فقال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} و"أم"هي المنقطعة ، والمعنى: أم يزعمون أنك تسألهم خرجاً تأخذه على الرسالة ، والخرج: الأجر والجعل ، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك ، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم {فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ} أي فرزق ربك الذي يرزقك في الدنيا ، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر.