ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال: {بَلْ جَاءهُمْ بالحق} أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول ، بل جاءهم ملتبساً بالحق ، والحق هو: الدين القويم: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كارهون} لما جبلوا عليه من التعصب ، والانحراف عن الصواب ، والبعد عن الحق ، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر ، وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفاً من الكارهين له.
وجملة: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ} مستأنفة مسوقة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه لكان ذلك مستلزماً للفساد العظيم ، وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية ، وهو معنى قوله: {لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ} قال أبو صالح وابن جريج ومقاتل والسديّ: الحق: هو الله ، والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكاً لفسدت السماوات والأرض.
وقال الفراء والزجاج: يجوز أن يكون المراد بالحق: القرآن ، أي لو نزل القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم.
وقيل: المعنى: ولو كان الحق ما يقولون من اتحاد الآلهة مع الله لاختلفت الآلهة ، ومثل ذلك قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وقد ذهب إلى القول الأوّل الأكثرون ، ولكنه يرد عليه أن المراد بالحق هنا هو: الحق المذكور قبله في قوله: {بَلْ جَاءهُمْ بالحق} ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله سبحانه ، فالأولى تفسير الحق هنا وهناك: بالصدق الصحيح من الدين الخالص من شرع الله ، والمعنى: ولو ورد الحق متابعاً لأهوائهم موافقاً لفاسد مقاصدهم لحصل الفساد ، والمراد بقوله: {وَمَن فِيهِنَّ} من في السماوات والأرض من المخلوقات.