واعلم مع ذلك أن كل نبيء منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ وهو الخبر ، فإنه شرع فِي دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه ، وأن الله عز وجل جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً منبياً من النبوة - يقرأ بغير همز.
ومعناه رفعة القدر والعلو ، فمما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طيّة أمره ومكنون علمه تعالى فِي سر التقدير الذي لم يزل خبأ فِي كل كتاب ، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق فِي أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فُطِر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على قلبه فهو مجيب ولا بد ، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد ، ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهراً والكفر باطناً ، وإن كلاًّ ميسر لما خلق له ؛ فكان بذلك انشراح صدره فِي حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز ، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية ، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته {الم} ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب ، وحينئذ شرع فِي تلقينه الدعوة العامة للناس ، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية ، وتولى الله سبحانه دعوة الخلق فِي هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة فِي القرآن.