قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ} الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أعموا فلم يدبروا، وهذا شروع في بيان أقدامهم على هذه الضلالات، لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة أحدها أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز، مع أنهم تأملوا وظهرت لهم حقيقته. ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب، لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة، وليس كذلك، لأنهم عرفوا أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم. ثالثها: أن لا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة، وليس كذلك، بل سبقت لهم معرفة كونه في غاية الأمانة والصدق. رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون، وليس كذلك، لأنهم كانوا يعلمون أنه أعقل الناس. وسيأتي خامس في قوله:
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} [المؤمنون: 72] وأم في المواضع الأربعة مقدرة ببل الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه.
قوله: (من صدق النبي) الخ، بيان للحق على طبق الآية، على سبيل اللف والنشر المرتب.
قوله: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ} أي القرآن وغيره فهو أعم من الحق الأول، ولذا أظهر في مقام الإضمار وأشار بقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ} إلى أن الأقل لم يدم على كراهة الحق، بل رجع عن كفره وآمن.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}
قوله: (عادة) المناسب أن يقول عقلاً، لأن وجود الشريك يقضي بفساد العالم عقلاً لا عادة.
قوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} إضراب انتقال، والمعنى كيف يكرهون الحق، مع أن القرآن أتاهم بتشريفهم وتعظيمهم؟ فاللائق بهم الانقياد له وتعظيمه، والعامة على قصر {أَتَيْنَاهُمْ} وقرئ بالمد بمعنى أعطينا، وحينئذ فالباء إما زائدة وذكرهم مفعول ثاني، أو المفعول، وقرئ بالقصر مع تاء المتكلم أو تاء المخاطب، وقوله: {بِذِكْرِهِمْ} هكذا قرأ العامة، وقرئ شذوذاً بذكراهم بألف التأنيث، ونذكرهم بنون العظمة.
قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} راجع لقوله:
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 70] وما بينهما اعتراض.
قوله: {خَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار.