والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبروا فيه، وعرفوا أنه منزل من اللَّه، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمردًا وإشفاقًا على ذهاب رياستهم، وطمعًا في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج اللَّه وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، حيث استوجبوا عذاب اللَّه ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.
وظاهر قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا) استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا يجوز أن يستفهم اللَّه أحدًا؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.
وقوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من الرسل، ثم لم يأت هَؤُلَاءِ شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ فكيف أنكروه؟! ألا ترى أنهم قالوا: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) : قد أقروا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) .
وعلى ذلك يخرج قوله:
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ(69)
أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين؛ عنادًا وتكبرا؛ إشفاقًا على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه قال: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...) الآية.
وعلى هذا، (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) .
أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة.
وجائِز أن يكون قوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) : جاء هَؤُلَاءِ ما لم يأت آباءهم، وخص هَؤُلَاءِ ما لم يخص آباءهم. وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين.