قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام، وجمعوا بين كل خير. قولا وعملا.
ودلالة ونصحا.
ثم ساق - رحمه الله - عددا من الأحاديث في هذا المعنى منها: أن أم عبد الله - بنت شداد بن أوس - بعثت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك مع طول النهار وشدة الحر. فرد إليهما رسولها: أنّى كانت لك الشاة؟ - أي: على أية حال تملكينها - فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت له: يا رسول الله. بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إليّ الرسول فيه؟ فقال لها: «بذلك أمرت الرسل. أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا» .
ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم. عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ... وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه من حرام. ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذى بالحرام. يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك» .
وقوله - سبحانه -: إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تحذير من مخالفة ما أمر به - تعالى - .
أي: إنى: بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم فأجازيكم على هذا العمل بما تستحقون.
وقوله - سبحانه - وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً .. جملة مستأنفة.
والمراد بالأمة هنا: الشريعة والدين الذي أنزله الله - تعالى - على أنبيائه ورسله، أي:
وإن شريعتكم - أيها الرسل - جميعا هي شريعة واحدة لا تختلف في أصولها التي تتعلق
بالعقائد والعبادات والمعاملات، وإن اختلفت في الأحكام الفرعية.