ولإفادة هذا المعنى - أعني: تأخير العقوبة لأشدَّ منها - أدخلت اللام على جواب"لَوْ"الشرطية. هذه اللام ، التي أجمعوا على القول بجواز سقوطها من الكلام ؛ لأنها - عندهم - زيدت للتأكيد ، وهم معذورون فِي ذلك ؛ لأن أسرار القرآن الكريم أكثر ، وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر ؛ فلا عجب أن قالوا بجواز سقوطها ، ولم يعلموا أنها لو سقطت ، لأفاد سقوطها التعجيل بوقوع الجواب ، خلافًا للمراد.
أما"شَاءَ"فهو فعل منزَّل منزلة اللازم ، ولا يجوز أن يُصَرَّح بمفعوله ، إلا فِي الشيء المستغرب. ولا يُكتفَى فيه بدلالة الجواب عليه ؛ بل يصرح به ، اعتناء بتعيينه ، ودفعًا لذهاب الوهم إلى غيره ، بناء على استبعاد تعلق الفعل به واستغرابه.
وبيان ذلك: أنك إذا قلت: {لو شئت لبكيت دمًا} ، فإنه يحتمل تعليق المشيئة ببكاء الدمع ، على مجرى العادة ، وأن ما ذكرته من بكاء الدم واقع بدله من غير قصد إليه ؛ وكأنك قلت: لو شئت أن أبكي دمعًا ، لبكيت دمًا.. أقول: هذا المعنى محتمل ، وإن كان تقييد البكاء فِي الجواب بالدم ، يدل دلالة ظاهرة على أنه المراد ؛ فإذا ذكر المفعول ، زال هذا الاحتمال ، وصار الكلام نصًّا فيما قصِد به.
والمشيئة - عند أكثر المتكلمين - كالإرادة سواء. وقيل: أصل المشيئة إيجاد الشيء وإصابته ، وإن استعملت عرفًا فِي موضع الإرادة. وذهب بعضهم إلى أن المشيئة من الله تعالى هي الإيجاد ، ومن الناس هي الإصابة. قال: والمشيئة من الله تقتضي وجود الشيء ؛ ولذلك قيل: ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن. والإرادة منه سبحانه لا تقتضي وجود المراد ، لا محالة. ألا ترى أنه سبحانه قال:"يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة: 185) ،"وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ" (آل عمران: 108) ، ومعلومٌ أنه قد يحصل العسر ، والتظالم فيما بين الناس! ولهذا قال تعالى هنا:"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ"، ولم يقل: {وَلَوْ أَرَادَ الله} .