اعلم! أن كمال الكلام وجماله وحُلته البيانية بأسلوبه. وأسلوبه صورة الحقائق وقالب المعاني المتخذ من قطعات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك القطعات"سيِمُوطُوغْرَاف"خياليّ ؛ كإراءة لفظ"الثمرة"جنتها وحديقتها. ولفظ"بارز"معركة الحرب. ثم أن التمثيلات مؤسسة على سرّ المناسبات بين الأشياء ، والانعكاسات فِي نظام الكائنات ، واخطار أمور أموراً ؛ كإخطار رؤية الهلال فِي الثريا فِي ذهن ابناء النخلة غصنَها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود . وفي التنزيل (حَتى عادَ كالعُرجُون القديم) .
ثم أن فائدة أسلوب التمثيل كما فِي الآيات المذكورة هي: أن المتكلم بواسطة الاستعارة التمثيلية يُظهر العروق العميقة ، ويوصل المعاني المتفرقة. وإذا وضع بيد السامع طرفاً امكنَ له أن يجرّ الباقي إلى نفسه ، وينتقل إليه بواسطة الاتصال ، فبرؤية بعضٍ يتدرج شيئاً فشيئاً - ولو مع ظلمة - إلى تمامه. فمن سمِع من الجوهريِّ ما قال فِي وصف الكلام البليغ:"الكلام البليغ ما ثقبته الفكرةُ".. ومن الخمّار ما قال فيه:"ما طُبخ فِي مراجل العلم".. ومن الجمَّال ما قال فيه:"ما اخذتَ بخطامه واَنَخْتَهُ فِي مَبْرك المعنى"ينتقل إلى تمام المقصد بملاحظة الصنعة.
ثم أن الحكمة فِي تشكل الأسلوب هي: أن المتكلم بإرادته ينادي ويوقظ المعانيَ الساكنة فِي زوايا القلب كأنها حفاة عراة. فيخرجون ويدخلون الخيال ، فيلبسون ما
يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعة أو التوغل أو الألفة أو الأحتياج ، ولا أقل من لفِّ منديلٍ من تلك الصنعة برأسه ، أو الانصباغ بلون مّا. وما تجده فِي ديباجة الكتب من براعة الاستهلال من أظهر امثلة هذه المسألة.