ثم أن أسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيال المخاطَب كما فِي أساليب القرآن الكريم فلا تنسَ. ثم أن مراتب الأسلوب متفاوتة فبعضها ارقّ من النسيم إذا سرى يرمز إليه بهيئات الكلام. وبعضها اخفى من دسائس الحرب لايشمه إلا ذو دهاء فِي الحرب ؛ كاستشمام الزمخشري من (مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) أسلوب"مَن يبرز إلى الميدان". وإن شئت فتأمل فِي الآيات المذكورة تر فيها مصداق هذه المسائل بألطف وجه. وإن شئت زُرِ الامامَ البوصيريَّ وانظر كيف كتب"رَجَتَتَهُ"بأسلوب الحكيم فِي قوله:
وَاسْتَفْرغِ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلأَتْ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْزِمْ حِمْيَةَ النَّدَم
ورمز إلى الأسلوب بلفظ الحمية. أو استمع هدهد سليمان كيف أومأ إلى هندسته بقوله: (الاّ يَسْجُدُوا لله الَّذِي يُخْرِج الْخَبْءَ فِي السَّموَاتِ والأرضِ) .
المسألة الرابعة:
اعلم! أن الكلام انما يكون ذا قوّة وقدرة إذا كان اجزاؤه مصداقا لما قيل:
عِبَاراتُنا شَتى وَحسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ اِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشير
بان تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته ، ويأخذ كلٌ بيد الآخر ويظاهره ، ويمد كلٌ بقَدَرِه الغرضَ الكليِّ مع ثمراته الخصوصية. كأن الغرض المشترك حوض يتشرب من جوانبه الرطبة ، فيتولد من هذه المجاوبة المعاونةَ ، ومنها الانتظام ، ومنه التناسب ، ومنه الحسن والجمال الذاتي. وهذا السر من البلاغة يتلألأ من مجموع القرآن لا سيما فِي (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) كما سمعتَه مع التنظير بقوله: (ولئن مسَّتهم نفحةٌ من عذاب ربك) (1) .
المسألة الخامسة: