وبقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الحج: 15] يشير إلى أن من كان ظنه بالله ظن السوء بألاَّ ينصره في الدنيا على الكفار، وفي الآخرة بألاَّ يدخل الجنة، فإنه من الظانين بالله ظن السوء، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له جهنم، وساءت مصيراً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباني عن الله تعالى:"أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء"يعني: من ظن بي خيراً أصابه خيراً، ومن ظن بي شرّاً أصابه شر، وفي رواية أخرى قال الله تعالى:"فليطلب طريقاً إلى السماء، ثم ليقطع صادقاً تقديري في الأزل ونزول أحكامي من السماء، فلينظر هل يذهبن كيده؟"أي: هل نقطع كيده في إبطال أحكامي النازلة من السماء مما يغيظ؟ أي: سبب غيظه وكذلك؛ أي: كذا ما قررنا من بطلان سعي في إبطال أحكامنا {أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحج: 16] أي: دلالات واضحات إليك يا محمد {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] إلى الجنة من يشاء، وفيه إشارة أخرى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] من الهداية.
ثم أخبر عن اختلاف أصناف بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج: 17] يشير إلى أنه تعالى يسأل كل صنف منهم يوم القيامة على حسب استحقاقه بما وعدهم إمَّا بالنعيم، وإمَّا بالجحيم وبالوصال، أو بالفراق، كما أعد لهم وعلى ما خلقهم، وهذا معنى قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} [الحج: 17] .
ثم قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] أو عالم بحال كل صنف منهم: كيف خلقهم، وفيما استمهلهم وأي مقام ومنزل أعدَّ لهم من منازل الجنة والنار ومن مقام الرب.