وبقوله تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 9] يشير إلى أن الأهواء والبدع {مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43] من أهل المعاصي عذاب الحريق في الدنيا بناء الشهوات وعقائد السوء، ولكنه نائم بنوم القطيعة لا يذوق ألم الحرقة، فإذا مات انتبه ويذيقه الله ألم عذاب الحريق، ويقول الله تعالى: الغافل الساهي ذلك بما قدَّمت يداك تتبع الشهوات، أو استيفاء اللذات وأكل الحرام كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] ، وقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم:"حفت النار بالشهوات" {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] بل العبيد ظلاَّمون لأنفسهم كما قال الله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] بأن يضعوا العبادة والطلب في غير موضعه.
وبقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] يشير إلى بعض الطالبين من لا صدق له ولا ثبات في الطلب، فيكون من أهل التمني بطلب الله على شك، فإن أصابه خير مما يلائم نفسه وهواه أو فتوحاً من الغيب أطمأن به، وأقام على الطالب في الصحبة، وإن أصابته فتنة بلاء وشدة وضيق في المجاهدات أو الرياضات، وترك الشهوات، ومخالفة الناس، وملازمة الخدمة، ورعاية حق الصحبة، والتأدب بآداب الصحبة، والتأمل عن الإخوان انقلب على وجهه بتبديل الأقوال والإنكار، والاعتراض، والتسليم بالإباء، والاستكبار، والإرادة بالارتداد، والصحبة بالهجران {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةَ} [الحج: 11] أي: خسر ما كان عليه من الدنيا بتركها، وخسر الآخرة بالارتداد عن الطلب والصحبة.